البخاري

تصدير 93

صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )

وقد صادف البخاري في حياته بعض المناوئين له عن غير كفاءة ، وكبر عليهم أن يسمو في تقدير الناس على نحو يلحق الخمول بكل من عداه ، فجهدوا أنفسهم في أن يعوّقوا طريق شهرته ، وأن يسلبوه شيئا من فضله وسمو مكانته ، فلم يستطيعوا ، وإن سبّبوا له القليل أو الكثير من المضايقات . وقد مر بنا ما مر من قصته مع البغداديين والسمرقنديين ، ورأينا تبييتهم له ، وتجمعهم عليه ، وتصدّيهم لامتحانه ، هم الإلب المتجمهر في وطنهم ، وهو الوحيد الفريد في غربته ، وهم المتسلحون بزيف مرتب ، وباطل منظّم ، يرسلونه عليه موجا كظلام الليل ، وهو الأعزل إلّا من نور اللّه ، وقوة الحق ، وسلطان العلم ، ثمّ ينصره اللّه ، ولكنه على كل حال مشهد رهيب يخلع القلوب ، وما نظن البخاري كان مسرورا به ، وإن ضاعف اللّه له السرور بنشوة الظفر ، وحلاوة النصر المبين . * * * ومؤلّفاته وكتبه التي نفع اللّه بها الناس ، والتي اعتمد عليها أكثر المؤلّفين ، والتي قويت على البقاء فلم يأكلها النسيان ، والتي يبلغ أحدها في الشهرة وعلو القيمة أن يرويه عن صاحبه تسعون ألف رجل ، هذه الكتب لم تسلم من نباح ذوى الأهواء . فكتاب « التاريخ » الذي بالغ شيوخه وأقرانه في تقريظه ، والذي انتفع به كل مؤلف بعده ، هذا الكتاب ينفسه عليه قوم فيحاولون صرف الناس عنه ، ولا يجدون في صدق مادته وكمالها مطعنا ، فيلتمسون ذلك بالتمحّل ، ويدّعون أنّه اغتياب للناس ،